نحتفي، من خلال سلسلتنا الشهرية "أبطال التعليم العالي"، بالإنجازات والإسهامات الملهمة لشخصيات تُحدث أثرًا حقيقيًا في قطاع التعليم العالي. يشرفنا ضمن هذه السلسلة استضافة الدكتورة إيمان مجاهد، التي تشغل منصب مساعدة نائب الرئيس للتحول الرقمي، والرئيسة التنفيذية لقسم الاستراتيجية والمعرفة، ومديرة تقنية التكنولوجيا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
ينبع شغف الدكتورة إيمان مجاهد بالتعليم العالي من تجربة شخصية مؤثرة، إذ لم تقتصر رحلتها مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة على مسار مهني ناجح، بل بدأت من مقاعد الدراسة كطالبة شغوفة.
تستعيد تلك البدايات بابتسامة قائلة: "درست علوم الحاسوب، وكنت شغوفة بالتقنية، ولم أغادر هذا المجال يومًا".
وقد أصبحت سنوات الدراسة هذه حجر الأساس في نهج الدكتورة إيمان المجاهد القيادي اليوم، فهي تفهم احتياجات الطلبة، بعدما سلكت الممرات نفسها، وعايشت التحولات ذاتها، وكرّست مسيرتها المهنية للارتقاء بالتجربة الأكاديمية وتمكين الآخرين.
وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، تنقلت بسلاسة بين عوالم تقنية المعلومات والاستراتيجية المؤسسية، ومن قاعات الدراسة إلى دوائر صنع القرار، مستندة إلى إيمان راسخ بقيمة التعليم، وقوة الابتكار، وأهمية البعد الإنساني الذي يقف خلف كل تطور تقني.
كما أضافت قائلة: "رغم التقدم المستمر للتكنولوجيا، يبقى الإنسان - الطلاب، والموظفون، وأعضاء الهيئة التدريسية - جوهر كل مؤسسة عريقة، ومن هنا ينبع التحوّل الحقيقي."
هل يمكنكِ مشاركة بعض تفاصيل رحلتك في التعليم العالي؟
إنها رحلة حياة كاملة، وأنا سعيدة جدًا بترشيحي لهذا اللقاء. بدأت منذ وقت طويل، حيث تخرجت من الجامعة الأمريكية بالقاهرة في علوم الحاسوب، وكان شغفي بالتقنية هو الدافع الأساسي. ومنذ تخرّجي، شرعت في خدمة الجامعة والتعليم بطرق متعددة.
تابعت دراسة الدكتوراه في السلوك التنظيمي، الأمر الذي أضفى على مسيرتي بعدًا إداريًا متكاملاً مع خبرتي التقنية، ليصبح شغفي بالالتكنولوجيا متناغمًا مع مهاراتي القيادية. وانتقلت خلال هذه الفترة بين عدة مناصب متنوعة، كل منها لعب دورًا محوريًا في صقل رؤيتي وطريقة تفكيري.
ما هي معتقداتك الأساسية حول التعليم والتكنولوجيا؟
أنا شغوفة جدًا بالتعليم، وأؤمن حقًا أن التعليم هو السبيل لتغيير أمة أو حياة شخص ما. تبرز بعض المؤسسات كأعمدة حقيقية لتحقيق هذا الهدف، وأنا أؤمن بالناس وبقيمة رأس المال البشري. مهما تطورت التكنولوجيا، لا يمكن تحقيق التقدّم الفعلي دون وجود فريق كفء، يتم تحفيزه وإلهامه بطريقة تجذب اهتمامه وتُنمّي قدراته.
كما أؤمن بأهمية البيانات، فهي تُكمل البعد البشري والتكنولوجي. تتجلى جمالية التكنولوجيا في تقدمها الدائم، بينما تُعد البيانات المفتاح لكل قرار يُتخذ. لذلك، أنا شغوفة بهذه الجوانب جميعها.
حاليًا، أشغل منصب مساعدة نائب الرئيس للتحول الرقمي، لكن رحلتي امتدت عبر أكثر من ثلاثين عامًا، بدءًا من شغفي بالتكنولوجيا مرورًا بمناصب إدارية وبحثية. وعلى مدار العشرين عامًا الماضية، كنت أيضًا أدرّس الإدارة بطرق متنوعة. البقاء على تواصل مع الطلاب أمر بالغ الأهمية، إذ يمثلون جماعة متحمسة، ونحن هنا لضمان أن يكون مستقبلهم أفضل من حاضرنا، وأن يُعاملوا بالاحترام في عالم مليء بالتحديات.
أخبرينا عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة.
تصل مسيرة الجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى 105 أعوام، مما يجعلها مؤسسة قديمة نسبيًا، لكنها فريدة من نوعها في مصر والقاهرة، إذ يكمن تميزها في كونها غير ربحية، وتتبع نموذج الفنون الحرة، معتمدة على الأسلوب التعليمي الأمريكي. نحن نقدم تجربة تعليمية استثنائية، ليس بالضرورة من حيث التكلفة، إذ نحرص على توفير منح مالية ودعم واسع للطلاب المميزين الذين نرغب في ضمهم إلى مجتمعنا.
على مدار المئة عام الماضية، ساهم خريجونا في تشكيل المؤسسات والسياسات والصناعات حول العالم، وهو أمر ذو أهمية بالغة. بالإضافة إلى أن الاعتماد من لجنة الولايات الوسطى يمنحنا الطابع الأمريكي، لكننا مصرّيون بالكامل في جوهرنا. هذا المزيج المتميز هو ما يجعل الجامعة فريدة من نوعها.
كيف اخترتِ مسارًا مهنيًا في التعليم العالي؟
بدأ كل شيء بالصدفة. أثناء دراستي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تم ترشيحي لبرنامج تدريب داخلي، وسرعان ما أحببت فكرة تقديم التكنولوجيا للطلاب. التعليم العالي يختلف عن العمل في شركة ربحية أو بنك - فهو يحمل البعد الإنساني، ويمنح شعورًا برد الجميل للمجتمع. في هذا القطاع، التعاون هو الأساس، ونحن جاهزون لمشاركة خبراتنا ونجاحاتنا، فإيماني القوي يقوم على كوننا مجتمعًا يسعى لخدمة الإنسانية.
بعد بضع سنوات، فكرت في تغيير مساري المهني، لكن كل مرة كانت هناك عوامل تجعلني أبقى. تنقلت داخليًا بين أدوار متعددة، من شغف بالتكنولوجيا إلى البحث المؤسسي، ثم إدارة الطلاب عبر الإنترنت، ومن ثم العودة إلى تكنولوجيا المعلومات. أتشرف اليوم بإدارة استراتيجية تكنولوجيا المعلومات بالكامل، والمعرفة، والتحوّل الرقمي، والأمن السيبراني. أحب هذا المجال لأنه متغير باستمرار، ولا يوجد لحظة مملة أبدًا!
قد تكون الضغوط كبيرة أحيانًا، لكن التكنولوجيا تشكّل استراتيجياتنا. الشركات التي لا تواكب التطورات التكنولوجية، سواء في الذكاء الاصطناعي، أو أنظمة تخطيط الموارد، أو أي مستوى من الابتكار الرقمي، ستجد صعوبة في الاستمرار، وهذا ينطبق بشكل أشد على التعليم العالي، حيث يعتمد الطلاب بشكل كامل على التكنولوجيا. وقد أظهرت جائحة كورونا ذلك بوضوح، فقد كنا من أوائل المؤسسات التي انتقلت للعمل الافتراضي خلال أسبوع تقريبًا، بفضل الجمع بين البنية التحتية المناسبة، والتكنولوجيا المتقدمة، والعقلية السليمة، والأشخاص المؤهلين خلف كل ذلك. وهذه التجربة هي ما جذبني إلى هذا المجال وألهمني للاستمرار فيه حتى اليوم.
ما هي أبرز المحطات في مسيرتك المهنية؟
هناك العديد من المحطات التي شكلت مسيرتي! حين بدأت رحلتي مع التكنولوجيا، كان منظوري محدودًا، لكن متابعة درجة الدكتوراه في الإدارة فتحت أمامي أفقًا جديدًا، وجعلتني أقدّر الدور الحيوي للعنصر البشري وكيفية التعامل معه في عالم التكنولوجيا. ببساطة، المعادلة تكمن في أن تكون إنسانيًا، قادرًا على فهم احتياجات الآخرين، والتأكد من تمكينهم من إنجاز مهامهم.
محطة أخرى مهمة كانت عملي كمديرة لخدمات الطلاب، حيث اطلعت على تجربة الطلاب من زاوية مختلفة، ليس فقط من منظور تكنولوجيا المعلومات، بل من حيث التعامل مع الطلاب والتحديات اليومية التي يواجهونها. مرة أخرى، التقى البعد الإنساني بالتكنولوجيا، قبل أن أعود للعمل بالكامل في مجال تكنولوجيا المعلومات. لحظة فارقة أخرى كانت في عام 2016، حين أنشأنا فريق ذكاء الأعمال، وهو تحول حقيقي وما زال يشكّل ميزة تنافسية كبيرة للجامعة الأمريكية بالقاهرة.
كما كانت مسؤوليتي عن الاعتماد الأكاديمي في نفس العام نقطة محورية، والآن أتولى رئاسة اللجنة المشتركة لإعادة تأكيد الاعتماد، وهي تجربة فتحت أمامي آفاقًا واسعة. أعتقد أن أبرز المحطات المهنية تحدث عندما تلتقي التكنولوجيا بشيء آخر، سواء البيانات، أو البشر، أو تجارب الطلاب، فتُكمل بذلك الصورة وتمنح رؤية شاملة لأي قرار يُتخذ. وهذه تجربة يجب أن يمر بها جميع المديرين في مرحلة ما لتساعدهم على النمو والتطور.
هل هناك قسم أو جانب من المؤسسة لم تعملي فيه بعد، لكنه يثير اهتمامك؟
الجانب الذي لم أستكشفه بعد بعمق هو البحث العلمي. قمنا بإعداد بعض المنشورات، إحداها تركز على فريق ذكاء الأعمال خلال جائحة كورونا، وأخرى تستعرض كيفية الاستفادة من البيانات الضخمة لمتابعة الأشخاص ومراقبتهم بشكل أخلاقي خلال الجائحة. ومع ذلك، لم أشارك بعد مباشرة في البحث العلمي، وهو جانب أتطلع لاستكشافه بشكل أوسع في المستقبل.
من بين كل ما أنجزتيه، ما أكثر إنجاز تفخرين به؟
أكثر ما أفخر به هو فريق ذكاء الأعمال، ففي الأعوام الثلاثة الماضية لم نقتصر على تحديث بنيتنا التحتية، من الشبكة إلى نظام تخطيط موارد المؤسسات، والجوانب التقنية الأخرى، بل ركّزنا أيضًا على إدماج البيانات بشكل ذكي وهادف. هذا الأساس الذي وُضع في عام 2015 لم يدعم تقدمنا في مجالات البيانات الضخمة وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات فحسب، بل أصبح حجر الأساس لإنجازاتنا الحالية والمستقبلية، ولهذا أعتبره أعظم إنجاز حققته.
كيف تقومون بتحديد أولويات التقدم التكنولوجي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة؟
هذا تحدٍ يومي، فكل شيء يتغير بسرعة، بينما مواردنا محدودة كجامعة. لذلك، نحدد أولوياتنا بناءً على الأثر المباشر على الطلاب، وذلك من خلال مسارين مترابطين: الأول تقني بحت، لضمان كفاءة البنية التحتية وأنظمة تخطيط موارد المؤسسات، والثاني يرتبط بتجربة الطالب، حيث نقيم ما يفيدهم فعليًا ويعزز رحلتهم التعليمية. هناك نقاش مستمر حول الذكاء الاصطناعي، بين من يرى وجوب حظره ومن يرى إمكانية استخدامه، لكننا لا نستطيع إيقاف تطور الأمور. هذه هي الحقيقة التي يعيشها الطلاب اليوم وما سيشكل مستقبلهم. لذلك، نحرص على توعيتهم وتوجيههم لكيفية استخدام التكنولوجيا بشكل أخلاقي وفعّال. وبحلول وقت تخرجهم، غالبًا ما يصبح جزء كبير من المحتوى الذي درسوه قديمًا، لذا فإن القدرة على التعلم المستمر واكتساب المعرفة تصبح هي الأداة الأهم، وهذا أحد جماليات التعليم الليبرالي، فهو لا يمنح الطلاب سياقًا معرفيًا فقط، بل يعلمهم كيفية العيش، والتعلم، والاستمرار في التطور. ولهذا، نضع الطلاب دائمًا في المقام الأول.
هل هناك جانب في وظيفتك أو دورك ترغبين في تغييره؟
لو كان بإمكاني تغيير شيء واحد، فسيكون تسريع عملية تحفيز وتحريك الأفراد. فالتعليم العالي يمكن أن يكون بطيئًا جدًا. نحن مؤسسة يبلغ عمرها 100 عام، وما تحمله من إجراءات وسياسات يمثل إرثًا مهمًا لكنه يفرض تحديات كبيرة. أطمح لرؤية وتيرة أسرع، خاصة في الجانب البشري، مثل تحفيز الأشخاص والحفاظ عليهم، إذ لا نتحرك بنفس سرعة الصناعات الأخرى، وهذا يشكل تحديًا حقيقيًا.
أما الأمر الآخر، فيتمثل في إدراكي العميق لدور الجامعات في تشكيل مستقبل الطلاب. أسعى لضمان أن تكون كل تجارب الطلاب داخل الحرم الجامعي متوافقة مع متطلبات الصناعات والأحداث في العالم الخارجي، ليتمكنوا من التعرض لها مبكرًا، فيكونون عند تخرجهم مجهزين بالمهارات والخبرة اللازمة للانطلاق بسرعة وثقة نحو أي مشروع يواجهونه.
من أين تستمدين دافعك للاستمرار؟
كنت محظوظة على امتداد مسيرتي المهنية، إذ حظيت دائمًا بمرشدين أقوياء دعموني وآمنوا بقدراتي، وكان لذلك أثر كبير في استمراري. إلى جانب ذلك، أعمل مع فريق استثنائي أفخر به، وأستمد دافعي الحقيقي من رؤية نجاحهم وتطورهم المستمر. أجد متعة حقيقية في مشاهدة الأشخاص وهم يتعلمون، وينمون، ويتحولون، ويتجاوزون التحديات، وهذا ما يجعلها بيئة مُلهمة بحق.
وفي التعليم العالي على وجه الخصوص، يكتسب هذا الدافع عمقًا أكبر، فغياب البعد الربحي، وإيماننا بدورنا في خدمة المجتمع وتشكيل مستقبل الأجيال، يمنح للعمل معنى خاصًا، وأحيانًا، تكفي كلمة واحدة من طالب لتغمرني بالسعادة. الأثر الإنساني هذا هو ما يغذّي شغفي ويمنحني الدافع الحقيقي للاستمرار.
ما النصيحة التي توجهينها للراغبين في العمل في مجال التعليم العالي؟
سأقول لهم واصلوا السير بلا توقف، واستثمروا كل فرصة للتعلم والتطور، فالتعليم العالي قد يبدو بطيئًا إذا لم تلاحقوا الفرص، والتطورات التكنولوجيا، والتحولات حولكم. احرصوا على الاستفادة من البعد البشري في رحلتكم، فداخل الجامعة أنتم في قلب بيئة تشكّل الشخصية وتفتح الآفاق. تواجدوا في المكان المناسب، واغتنموا كل لحظة للتعلم والتطور، ولا تخشوا تجربة الأشياء الجديدة أو ارتكاب الأخطاء. فالفشل والتجارب العملية هما أساس التقدم السريع، وغالبًا ما توفر الجامعات هذه المساحة الآمنة للاستكشاف والابتكار.
ما الذي يعنيه نجاح الطالب بالنسبة لكِ؟
لا يُقاس نجاح الطالب بالدرجات وحدها، بل بمدى شعوره بالرضا والسعادة، وبقدرته على تحقيق طموحاته وما يسعى إليه في حياته. إنه تمكين الطلبة من الوصول إلى أقصى إمكاناتهم، بل وتجاوزها، على المستويين الأكاديمي والإنساني، ليصبحوا أفرادًا متوازنين، وفتح آفاق لم يكونوا يتخيلونها يومًا.